السيد محمد تقي المدرسي
269
من هدى القرآن
بجسر الزجاج ، الأمر الذي جعلها تنتبه إلى أنها لا تملك علما بكل شيء ، وأن كبرياءها خادع ومزيف ، وأنها من الناحية العقائدية على خطأ ، فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين . بينات من الآيات : [ 35 ] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قالت : إنني سأرسل إلى سليمان وحاشيته بهدية ، وأنتظر رد الموفدين . [ 36 ] فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ وعندما وصل المرسلون إلى سليمان وقدموا هداياهم لم يأبه بها ، وقال لهم : إنكم تريدون أن تغروني بالمال ، وأنا لست بحاجة إليه ، فالله منحني من الملك والمال ما هو خير من هديتكم التي لا قيمة لها . إن المال لا يفرحني ولا يسرني ، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بالمال ، لأنكم عبيد الدنيا ، ومتاع الدنيا لا قيمة له عندي ، وإنما يفرح بالمال من اتخذه هدفا وغاية ومعبودا . بلى ؛ إنه لم يغتر بزخارف زينة الحياة الدنيا ، وفدى نفسه من أسرها ، ولهذا فقد استصغر إغراءات الملكة وتابعيها لسببين : 1 - فما يملكه أفضل من هدايا بلقيس بكثير ، إذ أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، ولم يبلغه أحد قبله . 2 - ولأنه لم يكن يبحث عن الملك ، بل كان يسعى لنشر الرسالة والوعي ، لذلك أجابهم : بأنكم أنتم الذين تفرحون بالهدية ، أما نحن فلا نفرح بالدنيا وما فيها ، وإنما هدفنا نشر الرسالة ، وإقامة الحق . [ 37 ] ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا لم تكن غاية سليمان المال ، وإنما كانت غايته إرشاد الضالين إلى الطريق الصحيح ، فلذلك أمر رئيس الوفد البلقيسي بالعودة إلى ملكته ، وهددهم بالحرب ، وتسيير جيش جرار إلى بلادهم لا يستطيعون مقاومته . وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ونخرجهم من أرضهم وهم مهانون ومحقرون ، وهنالك فارق كبير بين بلد يفتح عنوة فيمتلكه الفاتحون بقيمة الدم الذي أراقوه ، وبين بلد يصطلح أهله عليه ، حينئذ تترك البلاد بيد أهلها فيتمتعون بحريتهم وكرامتهم أيضا . هكذا عرفت بلقيس أن عليها أن تسير إلى سليمان طوعا قبل أن تساق إليه كرها ، فلما